شكيب أرسلان
188
الحلل السندسية في الأخبار والآثار الأندلسية
صنيع في بلاد المسلمين لهذا الفتح الذي اتفق على يديه . انتهى ما قاله ابن عذارى عن فاجعة بربشتر ، وانتقام المسلمين لها . ونقل المقرّى في النفح عن ابن حيان ما يلي قال : وكان تغلب العدو ، خذله اللّه تعالى ، على بربشتر ، قصبة بلد برطانية ، وهي تقرب من سرقسطة . سنة ست وخمسين وأربعمائة ، وذلك أن جيش الاردمليش نازلها وحاصرها ، وقصّر يوسف بن سليمان بن هود في حمايتها ، ووكّل أهلها إلى نفوسهم ، فأقام العدو عليها أربعين يوما ، ووقع ما بين أهلها تنازع في القوت لقلته ، واتصل ذلك بالعدو ، فشدد القتال عليها والحصر لها ، حتى دخل المدينة الأولى في خمسة آلاف مدّرع ، فدهش الناس ، وتحصنوا بالمدينة الداخلة ، وجرت بينهم حروب شديدة ، قتل فيها خمسمائة افرنجى . ثم اتفق ان القناة التي كان الماء يجرى فيها من النهر إلى المدينة تحت الأرض في سرب موزون انهارت ، وفسدت ، ووقعت فيها صخرة عظيمة سدّت السرب بأسره ، فانقطع الماء عن المدينة . ويئس من بها من الحياة ، فلاذوا بطلب الأمان على أنفسهم خاصة ، دون مال وعيال ، فأعطاهم العدو الأمان ، فلما خرجوا نكث بهم وغدر ، وقتل الجميع إلا انقائد ابن الطويل ، والقاضي ابن عيسى ، في نفر من الوجوه ، وحصل للعدو من الأموال والأمتعة ما لا يحصى ، حتى أن الذي خص بعض مقدمى العدو لحصته ، وهو قائد خيل رومة ، نحو ألف وخمسمائة جارية أبكارا ، ومن أوقار الأمتعة والحلىّ والكسوة خمسمائة جمل . وقدّر من قتل وأسر مائة ألف نفس . وقيل خمسون ألف نفس ومن نوادر ما جرى على هذه المدينة لما فسدت القناة ، وانقطعت المياه ، ان المرأة كانت تقف على السور وتنادى من يقرب منها أن يعطيها جرعة ماء لنفسها ، أولولدها فيقول لها أعطيني ما معك ، فتعطيه ما معها من كسوة وحلىّ وغيره . قال : وكان السبب في قتلهم أنه خاف ممن يصل لنجدتهم ، وشاهد من كثرتهم ما هاله ، فشرع في القتل ، لعنه اللّه تعالى ، حتى قتل منهم نيفا على ستة آلاف ، ثم نادى الملك بتأمين من بقي ، وأمر أن يخرجوا ، فازدحموا في الباب إلى أن مات منهم